البخاري

تصدير 31

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

لقد كانت غايته العلم من سفره وحضره ، فما ونى عنه لحظة من حياته ، ولا أشرك في طلبه والسعي له شيئا من عرض الدنيا وإن جلّ ، بل حصر رغبته فيه وحده ، ووفّر عليه وقته وجهده ، وما رؤى - فيما وراء نومه القليل - إلا وهو على حال من ثلاث : إما جالسا إلى شيخ يسمع منه ، ويتلقى عنه ، أو متصدّرا للحديث على الملتفين حوله من الطلاب ، أو منقطعا إلى القلم والقرطاس يقيّد شوارد ما جمع ، ليحفظها بالتدوين من التبدد والضياع ، وليعدها بالتصنيف والتأليف للانتفاع وسهولة الاطلاع . وبهذا الجهد الأصيل والقصد النبيل يملا البخاري عهد رحلائه فيقضيه في العمل الدائب متعلما ، ومعلما ، ومؤلّفا ، ويبارك اللّه في هذا العمل ، فيخرج به أطيب الثمر ، ويفيض به الخير على صاحبه ، وعلى الإسلام والمسلمين . * * * [ ملاقاته لشيوخ الحديث ] وأول ما جنى البخاري من ثمار هذا العهد أن تسنّى له من عدد الشيوخ ما لم يقاربه فيه محدث ، لا في عصره ، ولا فيما سبقه أو لحقه ، فقد جاب الأقطار ، وطوف بالأمصار ، ولقى أغلب المحدثين في زمنه ، وما كان أكثرهم حينذاك ، وبذلك اتسع سماعه ، وتضاعفت أعداد الذين التقى بهم ، وهو يحصى على وجه التقريب نوعا من هؤلاء ، وذلك فيما أسلفناه من قوله : « لقيت أكثر من ألف رجل ، من أهل الحجاز ، والعراق ، والشام ، ومصر ، وخراسان ، فما رأيت واحدا منهم يختلف في هذه الأشياء : إن الدين قول وعمل ، وإن القرآن كلام اللّه ( طبقات الشافعية 2 - 217 ) .